الشيخ الطبرسي

85

تفسير جوامع الجامع

والمعنى : احفظُوا ألسنَتَكُم وسدِّدوا قَولَكُم ، فإنَّكُم إذا فَعلْتُم ذلكَ أَعطَاكُم اللهُ غَايةَ مطلوبِكُم من تَزْكيةِ أَعمالِكُم ، وتَقَبُّلِ حَسَنَاتِكُم ، وَمَغْفرَةِ سيِّئاتِكُم . ولَمَّا عَلَّقَ سبحانَه طاعَتَه وطَاعَةَ رسولِهِ بالفَوزِ العظيمِ أَتْبَعَه قَولَهُ : ( إنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ ) وهو يُريدُ بالأَمانةِ : الطَّاعةَ ، فَعَظَّمَ أَمْرَها ، والمعنى : أنَّ هذه الأَجْرامَ العِظَامَ قَد انقادَتْ لأمرِ اللهِ فَلَمْ تَمتَنِعْ على مشيئتِهِ إيجاداً وتكويناً وتسويةً على أَشكال متنوِّعة وصِفَات مختلفة ، وأمَّا الإِنسانُ فلَمْ يكنْ حالُهُ فيمَا يَصحُّ منهُ من الطَاعةِ ويَليقُ بهِ من الانقياد لأوامر اللهِ ونَواهيهِ ، وهو حَيوانٌ عاقِلٌ صَالِحُ للتَّكليفِ مثلُ حال تلك الجَمَاداتِ فيما يَصحُّ منها من الانقيادِ وعدمِ الامتناعِ . والمُرادُ بالأمانةِ : الطَّاعَةُ ؛ لأنَّها لازمةُ الأَداءِ ، وعَرْضُها علَى الجَمَاداتِ وإباؤُها وإشْفاقُها مَجَازاً ، وَأَمَّا حَمْلُ الأَمانةِ فَمِن قولِكَ : فلانٌ حامِلُ الأمانةِ ومُحْتَمِلٌ لَهَا ، تُريدُ لا يُؤدِّيها إلى صَاحِبِهَا حتَّى يَخرجَ من عُهْدَتِها ، لأنَّ الأمانةَ كأنَّهَا رَاكِبةٌ للمؤْتَمَنِ عَليهَا ، فإذا أدَّاهَا لَمْ تَبقَ راكبةً له ولَمْ يكنْ هو حَامِلاً لَهَا . فالمعنى : ( فَأَبَيْنَ ) أَن لا يُؤَدِّينَها وأَبَى الإِنسانُ إلاَّ أَن يكونَ مُحتَمِلاً لَهَا لا يؤَدِّيها ، ثمَّ وَصَفَهُ بالظُّلْمِ لكونِهِ تَاركاً لأَداءِ الأَمَانةِ ، وبالجَهلِ لإِغفالِهِ ما يُسْعِدُهُ مَعَ تَمكُّنِهِ من ذلكَ بأَن يؤدِّيَ الأمانةَ . واللاَّمُ في ( لِيُعَذِّبَ ) لاَمُ التَّعليلِ على طَريقِ المَجَاز ، لأنَّ التَعذيبَ نَتيجةُ حَمْلِ الأَمانةِ ، كما أَنَّ التأديبَ في قولِكَ : ضَرَبْتُهُ للتأديبِ نَتيجة الضَرْبِ ، أي : ليُعذِّبَ اللهُ حَامِل الأمانةِ ( وَيَتُوبَ اللهُ ) على غيرِهِ ممَّن لَمْ يَحْمِلْها ، لأنَّه إذا تِيبَ على الوافي كانَ ذلكَ نَوعاً من عَذَابِ الغَادر . * * *